الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: الرجوع والعودة في الأغاني السودانية (3 -10)

(الثورة مازالت تعيش)
عنوان اليوم الجانبي اعلاه يبدو انه لا ينتمي لاغنيات الامنيات و لا علاقة له بأصل موضوعنا (الرجوع و العودة) الذي تضج به الوسائط السودانية هذه الايام ..
وينقسم الناس حوله بين مؤيد عاطفي للعودة ومتعقل وافٍ يري ان زمن العودة لم يحن بعد والحرب ( ما زالت تعيش)…
بحياتنا السودانية في سنوات ما قبل الحرب اعرف عشرات المغتربين الذين ابعدتهم ظروف معينة عن بلادهم لعقود حتي وفاة الاقربين التي بالعادة تجبر السودانين علي العودة والعزاء بالذات وفاة الاب او الام لكن البعض قد لا تسمح ظروفهم بالعودة مما يعني انها ظروف قاسية جداً و هذا يطيل امر غربتهم لاحقاً بحجة ( ابوي مات ماجيت البوديني شنو تاني) فالوالدين هما اول الوطن
اعتقد انه لم تمر باهل السودان ظروف أقسي واصعب وأمّر مما هم عليه الان في هذه الحرب اللعينة ..
و من الغرائب في امر العودة وفريقيها ان تجد البعض ممن منعتهم ظروف معينة من العودة اثناء اغترابهم في زمن السلم يقفون بقوة مع موضوع العودة في هذه الظروف التي من المفترض ان يكونوا اعلم الناس بها فقد منعتهم ظروفهم عن العودة للاوطان في وقت اسهل بكثير مما نحن عليه الان و هذا يحمل دلالات اضطراب الوجدان في محبة الاوطان…
نعود لموضوع (الثورة ما زالت تعيش) وعلاقته بامر العودة والرجوع …
الشاعر الكبير محمد مفتاح الفيتوري من الذين عاشوا ظروف الهجرة والابتعاد عن الاوطان لاسباب متعددة وقد استفاد فائدة كبيرة من هذه الهجرات حتي انه في بعض الاواسط يعرف بانه شاعر ليبي وسوداني ومصري ومغربي وهي تشكيلة شكلت وجدان الشاعر الافريقي العربي…
و يعتبر من رواد الشعر الحر الحديث و يلقب بشاعر إفريقيا والعروبة. تم تدريس بعض أعماله ضمن مناهج آداب اللغة العربية في مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كما تغنى ببعض قصائده مغنّون كبار في السودان
فهو من مواليد مدينة الجنينة بغرب دارفور الملتهبة لسنوات قبل الحرب الاخيرة نشأ بمصر وحفظ القران بالاسكندرية وتعلم بها وهو (ازهري ) تخرج في جامعتها ..
في عهد الرئيس الاسبق النميري الذي وصل لحكم البلاد عبر دبابة وحكم عسكري أسقطت عنه الحكومة ا في عام 1974 الجنسية السودانية و سحبت جوازه السوداني لمجرد معارضته للنظام فتبناه القذافي ومنحه الجنسية الليبية التي سحبت منه ايضاً بعد مقتل القذافي واحداث ليبيا الاخيرة و انقساماتها وهي حالة تشبه كثير مما يعاني منه بعض اهل السودان في منعهم من تجديد جوازاتهم وزيادة معاناتهم توفي وعمره يقارب الثمانون عاماً في ديار زوجته المغربية..
بعد حياة مملؤة بالكفاح والنضال والانسانية واعتزاز بافريقيته و الثقافة العربية له عدة دواوين تحمل اسم افريقيا في عناوينها منها (اغاني افريقيا) و (عاشق من افريقيا) و (احزان افريقيا) و (اذكريني يا افريقيا) فكانت افريقيا وسمرتها تمثل له الوطن الكبير والقضية و كل البلاد التي عاش بها في افريقيا لها موضع في قلبه…
ونجد انفسنا مثله نكن التقدير والاحترام لكل الدول التي احتوتنا اثناء هذه المحنة و احتملتنا وصبرت علينا و حربنا( السودانية السودانية) في عامها الثالث الان
العنوان اعلاه (الثورة ما زالت تعيش) ماخوذ من قصيدة الفيتوري التي تغني بها العملاق محمد وردي في مقطع:-
*أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش*
*فارفعي راية اكتوبر (فالثورة مازالت تعيش)*
وقد فضلت هذا العنوان علي عنوان اخر يرتبط بموضوع (العودة والرجوع) في ذات القصيدة لان الثورة حقاً ما زالت تعيش وبها حياة و قوة نابضة .. و العنوان المرتبط بالعودة هو :-
*لو لحظة من وسني*
*تغسل عني حزني*
*(تحملني…..ترجعني)*
*الى عيون وطني*
*يا وطني ..*
الوسن هو غلبة النوم او النعاس الشديد و عندما قال الفيتوري هذه القصيدة لابد ان الاحوال لم تكن عادية وربما الفرصة لم تكن مهئية لزيارة الوطن فهو يحتاج لغسيل الاحزان اولاً في غفوة ونعاس ثم تحمله وترجعه الي عيون الوطن…
لقد كان يتمني ويتوق للعودة ولو في حلم عابر في (لحظة من الوسن)
و هذا هو حالنا اليوم واقسي منه فنحن بحاجة لغسيل الاحزان واقعاً وليس في الاحلام اولاً بوقف هذا العبث الدموي وتهئية ظروف العودة….
فالعودة والرجوع عند الشاعر ربما لم تتحقق اسبابها لذا تمني لحظة وسن تأخذه بعد غسل الحزت الي عيون الوطن وهو ذات حالنا الان الذي لم تتوفر فيه اسباب عودتنا (فالحرب ما زالت تعيش) هناك و( الثورة ما زالت تعيش) في قلوبنا مع الوطن الذي يرحل معنا فنجد (كل الارض منفي) والمنافي تؤجج الثورة
فنغني مع الفيتوري:-
*يا وطني يا وطن الأحرار والصراع*
*الشمس في السماء كالشراع تعانق الحقول والمراعي*
*واوجه العمال والزراع*
*يا وطني ..*
الحزن اضحي الرفيق والعودة ربما تنقلنا من ضيق الي ضيق فالحرب ما زالت تعيش هناك وفي المنافي ثورتنا ما زالت تعيش
*وانا مازلت في البعد انادي يا بلادي*
*يا مغاني وطني ..*
*أجمل من فراشة مجنحة* *على ضفاف المقرن الجميل*
*أجمل من نوّارة مفتحة* *ترقد تحت ذهب الأصيل*
*أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحة في صبحك الجليل*
*يا فخر هذا الجيل*
يا وطني ..لك الحب من المنافي ويوم نعود و يوم نُقبر في الارض التي انجبتنا ومدافن (الحبل السُري)…
اوقفوا هذه الحرب فثورة الحب مازالت فينا تعيش ..

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى